الشيخ السبحاني

251

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم ، فأخرجوا إلى المفازة ، وفرّقوا بين النساء والأولاد ، وبين سائر الحيوانات وأولادها ، ثم ابكوا وادعوا ففعلوا فصرف عنهم العذاب « 1 » . وبالجملة ، إذا كانت إخبارات النبي مقترنة بالقرائن الدالة على صدق اخباره ، وأنّ الوقوع كان حتميا قطيعا لولا فعل ما فعلوه ، لما عدّ ذلك تقولا بالخلاف ، بل يعد من دلائل الرسالة . وعلى ذلك فإخباراتهم الغيبية إما كانت على وجه التعليق في اللفظ ، كما في قصة يونس ، حيث روي أنه قال لقومه : « إنّ العذاب مصبحكم بعد ثلاث إن لم تتوبوا » « 2 » . أو في اللب ، كما إذا دلت القرائن الماضية على أنّ كلامه كان معلقا على مشيئته سبحانه ، وكانت مشيئته سبحانه معلقة على عدم صدور أمر يدفع العذاب . وأنت إذا أحطّت بما ذكرنا من الأمور تقف على مدى صحة ما نقله الرازي عن سليمان بن جرير من أنّ أئمة الرافضة وضعوا القول بالبداء لشيعتهم ، فإذا قالوا سيكون لهم أمر وشوكة ثم لا يكون الأمر على ما أخبروا ، قالوا : بدا للّه تعالى « 3 » ! . وكأنّ الرجل كان غافلا عن تلك المعارف العليا في الكتاب والسنّة . ونضيف أخيرا بأنّ هذا النوع من الإخبارات التي تعد نتيجة للبداء لا نفس البداء ، لا تتجاوز في كلمات الأئمة عن مواضع أربعة « 4 » ، ذكر تفصيلها في موضعها ، فكيف يدّعي الرازي وضع ضابطة كلية ؟ !

--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 153 . ( 2 ) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 135 . ( 3 ) نقد المحصل ، للرازي ، ص 421 . ( 4 ) راجع في تفسير ذلك كتاب « البداء في ضوء الكتاب والسنة » للأستاذ دام حفظه ص 107 - 108 .